ابن ميثم البحراني

62

شرح نهج البلاغة

الهوى شريك العمى ، ووجه كونه شريكا له استلزامه للضلال وترك القصد كالعمى ، وتقدير الكبرى : وكلّ ما هو شريك العمى فينبغي أن يجتنب ، ونحوه قولهم : حبّك للشيء يعمى ويصمّ . الثانية عشر : نبّه على أنّ في البعداء من هو أقرب وأنفع من النسيب ، وفي الأقرباء من هو أبعد من البعيد وهو مشهور ، وإلى المعنى الثاني أشار القرآن الكريم بقوله تعالى « إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ » ( 1 ) . الثالثة عشر : نبّه على أنّ الحقيق باسم الغريب هو من لم يكن له نسيب : أي محبّ يحبّه ، وإليه أشار القائل : أسرة المرء والداه وفي * ما بين حضنيهما الحياة تطيب فإذا وليّا عن المرء يوما * فهو في الناس أجنبيّ غريب وذلك باعتبار محبّة الوالدين له . الرابعة عشر : نبّه على لزوم الحقّ بما يلزم نقيضه وهو تعدّيه وتجاوزه إلى الباطل من ضيق المذهب ووعارة المسلك ، وذلك أنّ طريق الحقّ واضح مأمور باتّباعه وقد نصبت عليه أعلام الهداية ، أمّا طريق الباطل فهي ضيقة وعرة على سالكها لما فيها من التحيّر والخبط وعدم الهداية إلى المصلحة والمنفعة مع كونها ممنوعة بحرسة طريق الحقّ من حاد إليها عنه أخذوا عليه مذهبه وضيّقوا عليه مسلكه حتّى يعود إلى طريق الحقّ ، وهو صغرى ضمير تقدير كبراه كما في قوله : من ترك القصد جار . الخامسة عشر : نبّهه على وجوب الاقتصار على قدره وهو مقداره ومحلَّه في خلق اللَّه ، واقتصاره عليه مبنىّ على معرفته وهو أن يعلم الفطرة الَّتي فطر الإنسان عليها من الضعف والجور والنقص فيعلم أنّه كذلك فيمنع نفسه حينئذ عن الترفّع عن أبناء نوعه والاستطالة على أحد منهم بفضل قوّة أو إعجاب بقية جسمانيّة أو نفسانيّة ويقتصر على ما دون ذلك من التواضع ولين الجانب والاعتراف بما جبّل عليه من العجز والنقص ، وهو في قوّة صغرى ضمير تقديرها : من اقتصر على قدره

--> ( 1 ) 64 - 14 .